الاثنين، 9 نوفمبر 2015

كتاب لم يرَ النور: (درجات العقل ودراكاته في المعجم العربيّ) لأحمد الشرقاوي إقبال



عباس أرحيلة

تمهيد
هذا كتاب لم يَر النور شأن آثار أخرى، لا يُعرف مصيرها، للمرحوم أحمد الشرقاوي إقبال (1927 – 2000م). وهو كتاب اختار له عنوان: (درجات العقل ودركاته في المعجم العربي). ما طبيعة هذه الكتاب؟ وكيف كان تصوُّره لمنهجه فيه؟  وما كان لفكرة الكتاب من أثر عليّ؟

أولا: مع فكرة الكتاب التي ماتت بموت الأستاذ إقبال
كثيرا ما كان الأستاذ أحمد الشرقاوي إقبال، رحمه الله تعالى، يتحدث عن طبيعة هذا الكتاب في جلساته الخاصة مع زواره ومحبِّيه. وقد سعدت بحضور بعض تلك الجلسات رفقة الأستاذ أحمد متفكر. وممّا قاله عن طبيعة هذا الكتاب؛ الذي بقي حلماً في ذاكرة الزمن المراكشي؛ إنه  أقامه  - في ذاكرته - على ترتيب معاني ألفاظ العقل والحمق في المعجم العربيّ، وما تشتمل عليه معانيهما من أسرار في الفروق بين تلك المعاني: بحيث يضم الكتاب مئات المفردات في مستويات الذكاء والبلادة صعودا ونزولا.
ويتضح من خلال كل ذلك ما يحمله المعجم العربي في مواده اللغوية من دقائق وأسرار، وما تحمله ثقافة الأستاذ إقبال من خبرة بخبايا المعجم العربيّ في دقائقه وأسراره.
ويبدو من خلال ما سمعته من أحمد الشرقاوي رحمه الله تعالى، أنه ارتضى المنهج الآتي في وضعه لهذا الكتاب:
(1)          أن يتتبع الألفاظ الدالة على العقل والحمق في المعجم العربي.
(2)          أن يُجري عليها عمليات مقارنة بين دراجاتها في العلو أو السفول؛ للوقوف على دقائق الفروق بينها.
(3)           البحث عن استعمالات كل لفظ منها، في القرآن والحديث النبوي إن وُجد، وفي أشعار العرب وأمثالها ونوادرها.
 والأستاذ أحمد الشرقوي إقبال ممن يرون أن العربية انفردت دون سواها بهذا الغنى في تأدية معاني الوجود بمفردات شتى، والقدرة على إصابة المعاني في الموضوع الواحد وتصنيفها إلى درجات؛ فيُصبح المعنى الواحد الذي يؤديه اللفظ الواحد؛ لا تقنع العربية أن يضع له أصحابها اللفظ الواحد؛ إذ يُدققون في دراجته. بحيث يصبح المعنى يتدرج بدقة لا يتأتى إدراكها إلا لمن عرف معاني الألفاظ في التراث اللغوي عند العرب. ومن الأمثلة على هذا ما فعله ابن القيم الجوزية مع معنى العِشق في كتابه (روضة المحبين ونزهة المشتاقين).

ثانيا: إحساس أصحاب فقه اللغة بطبيعة هذه الفروق
ومما كان له أثر على نفسي في تلك اللحظة؛ محاولة منِّي لمعرفة ما جاء في بعض كتب فقه اللغة من فروق بين تلك المعاني. وكانت حصيلة ذلك ما يلي:

1 - الغريب المصنف لأبي عبيد القاسم بن سلام (224هـ)، تحقيق: محمد المختار العبيدي، الجزء الأول، ط1 [ تونس، بيت الحكمة، المدرسة الوطنية للترجمة والتحقيق والدراسات، 1989 ] [ باب ضعف العقل والرأي الأحمق: 86 - 87، باب المجنون: 89 - 99 ].
2- المنتخب من غريب كلام العرب: أبو الحسن علي بن الحسن الهنائي المعروف بكراع النمل(310هـ)، تحقيق: د. محمد بن أحمد العمري، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، ط1، 1989.[باب العقل والرأي – باب الحمق وضعف العقل والجنون:1/156 – 159 ].
3- كتاب تهذيب الألفاظ: أبو يوسف يعقوب بن إسحاق السكيت (243هـ)، تحقيق لويس شيخو، دار الكتاب الإسلامي القاهرة د.ت.[ باب العقل والحزم :1/183 - باب الحمق والهَوَج : 1/187 ].
4- كتاب ألفاظ الأشباه والنظائر: عبد الرحمان بن عيسى الهمذاني (327هـ)، تحقيق: د. بدراوي زهران، دار المعارف، القاهرة ، ط2، 1981. [ باب العقل والمعقول:115 - باب الهفوة :121 - باب يقال قد تحرز فلان وتحفظ : 138 - باب التجربة :156 ].
5- جواهر الألفاظ: أبو الفرج قدامة بن جعفر (337هـ)، ت. محمد محيى الدين عبد الحميد، دار الكتب العلمية، بيروت ،ط1، 1979 [ باب: الحمق والطيش: 275 – العقل والحصافة: 275 - الجهل والغباء: 334  - باب الحصافة والفطنة وصلابة الرأي: 335 ]
6- متخير الألفاظ: أحمد بن فارس (395هـ)، حققه وقدم له: هلال ناجي، مطبعة فضالة، المغرب، 1970. [ باب الجهل بالشيء: 128 - باب العُته والجنون: 128 - باب الحُمق: 129 - باب الذكاء وحدة الفؤاد: 147 ].
7- فقه اللغة وأسرار العربية: أبو منصور الثعالبي (429هـ)، تحقيق: د. ياسين الأيوبي، المكتبة العصرية، بيروت، ط1، 1999. [ فصل في ترتيب صفات المجنون - فصل يناسبه في صفات الأحمق :180، يلاحظ أن حاول ترتيب هذه الصفات ].
8- المخصص: أبو الحسن علي ابن إسماعيل المعروف بان سيده 458هـ تحقيق خليل إبراهيم جفال دار احياء التراث العربي، بيروت، ط1، 1996[1/250-253 - ضعف العقل 1/266-271- ضعف الرأي:1/271-272-السفه والطيش:1/272- الجنون:1/272-274].
9 – الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفة: محمد بن عبد الملك الطائي الجياني (672 هـ) ، تحقيق: د. محمد حسن عواد -  ط1 [ بيروت، دار الجيل، 1411هـ ]، ( باب الذكاء والفطنة، ص 213 ).
وممن لمحوا إلى شيء من بيان الترابط بين عناصر المواد اللغوية نشير مثلا إلى قول عبد الرحمن بن عيسى الهمذاني(327هـ) في كتاب ألفاظ الأشباه والنظائر: اللب والأزر والحِجا والحِجْر والحصاة واحد [ ص115 ].
وقوله: الأصاةُ والجُلُ والجال والصَّيْرُر: الرأي المحكم السديد، والنحيزة والبنية والطبيعة والخيم والضريبة والجِبِلَّة والسجية والسليقة والغريزة والتُّوس والسُّوس [ص115 ].
 وكذا نجد أبا منصور الثعالبي (429هـ)،  يضع فصلا في ترتيب صفات المجنون، وفصلا يناسبه في صفات الأحمق:180، وذلك في كتابه: فقه اللغة وأسرار العربية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق