‏إظهار الرسائل ذات التسميات أعلام وآثار مغربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أعلام وآثار مغربية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 11 سبتمبر 2019


مرَّاكش في وجدان محمّد آيت الفرَّان مترجماً
عباس أرحيلة
                   بسم الله الرحمن الرحيم 
ماذا تعني مدينة مراكش في حياة مولاي محمّد آيت الفرَّان[1]؟ ما مكانتها في نفسه، وما مدى تغلغلها في وجدانه؟ حضور المدينة في تفكيره بزخمها التاريخيّ الحضاريّ قلما يفارقه في أغلب مشاركاته العلميّة، تراه وكأنَّ انتماءه إلى هذه المدينة يجعله دائم التعلق بها، والإحساس بضرورة التضحية من أجلها؛ تعلُّقٌ يجعله دائم الحنين إليها وهو بين دروبها! ترى كيف يكون حاله إذا فارقها، واغترب عنها؟ وأنَّى له أن تفارقه ذكرياتُها، وهو الهائم بسحرها، العارف بأحوال أناسها، الخبير بتفاصيل تفاصيلها!
ومن صُدَف الأقدار أن يتعرّف في ألمانيا بطبيب مغربيّ من أصل طنجيّ اسمه خالد سهولي، له عشقه الخاص لمدينة مراكش، وله معها ذكريات: أقاصيص وحكايات.
 وخالد هذا قادته أسفاره إلى مدينة مراكش، ومع مرور السنين، زاد تعلقه بها. ولما طفح عشقه لها وضع في ذلك كتابا؛ حمَّله ذكرياتِه معها، وجعلها فضاءً لأقاصيصه وحكاياته، ومسرحاً لنظراته وتأملاته، ومجالا للبوح بخطراته الفكرية وخفاياه الذاتية، وأصبحت هي حركة الوجود لديه، وكأنها تنفعل بما  عليه حال مراكش في أحوالها الطبيعيّة، وجمالياتها الخاصة.
وتولى السي محمد ترجمة هذا الكتاب إلى العربية والتقديم له، غير أن الأجل وافاه قبل أن تعرف الترجمة طريقها إلى النشر.
فنهضت زوجه السيِّدة الفاضلة أم إلياس فاتحة السلايعي بنشر هذه الترجمة؛ واضعة كلمة رقيقة في التصدير لها. ومما جاء فيه أن الفقيد عرَّب  الكتاب ومنحه « وجوداً جديداً في لغة جديدة؛ أعطاها الكثير من صبره وحلمه وشغفه باللغتيْن الصديقتيْن الألمانيّة والعربيّة».
وماذا عمّا قاله السِّي محمَّد في التقديم لترجمته للكتاب؟
 بالرغم من حيرته ومساءلته لنفسة عن ضرورة وضع تقديم لهذه الترجمة؛ فقد غالبها في أن يأتي التَّقديم  ليضع التَّرجمة في سياقها العام وجوداً وإنجازاً.
يحدثنا السِّي محمّد كيف حصل التعارف بينه وبين خالد سهولي ذي الأصل الطنجيّ. جاء ذلك عن طريق أحد طلبة السِّي محمّد في معرض الكتاب في مدينة لايبسيج الألمانيّة؛ وحصل ذلك إثر سماع بعض أقاصيص وحكايات كان يلقيها الطبيب خالد سهولي في قاعة بمعرض الكتاب.
ما أغرب وأعجب، حسب ما نعرفه في بلادنا، أن نجد بروفسوراً ورئيساً لقسم أمراض النِّساء تخصُّص أمراض سَرَطان الرَّحِم، في مستشفى (شاريتي) الجامعيّ ببرلين الألمانية؛ يلقي على مسامح بعض الحاضرين في قاعة من قاعات معرض الكتاب مجموعة من أقاصيص وحكايات تحمل في طياتها ما يصطرع في نفوس نساء على حافة الموت من آلام دفينة، ويأس قاتل تداعبه آمال واهية...
 يبدو أن سماع تلك الأقاصيص والحكايات المنسابة ببراعة صاحبها في الحكي؛ شدَّ انتباه السِّي محمّد فوجد نفسه في غمرة شريط الذكريات لارتباط تلك الأقاصيص والحكايات بأجواء مدينة مراكش.
 وأثار صوت الحاكي في عقل السِّي محمد ووجدانه، وهو في غمرة الإعجاب؛ شعور يتقاسمه الإحساس بقضية الانتماء إلى وطن ما، والانصهار في كونية تمتزج فيها الأعراق والأجناس، وتنتفي فيها الحدود الجغرافيّة بين بني البشر.
وجد السِّي محمّد نفسه يقول: « لا أدري كيف استطاع سهولي هنا أن يستدعي إلى ذهني صورة بقيت إلى اليوم تطاردني في علاقة مع هذا البلد – ألمانيا... أحببتُ هذا الرجل ووجدتُ فيه حقيقة رجلَ الوطن كما أصبحتُ أتصوَّرُه وأَبغيه؛ فقرَّرتُ أن أمدَّ له اليد، وأن أصافيَه» [ص6]
وانتهى اللقاء، وانتهت تلك الحكايات والأقاصيص إلى جانب مثيلات لها مترجَمَةً في طيَّات هذا الكتاب الذي بين يدي القارئ.
ولعل تلك المشاعر التي خامرت السِّي محمَّد في غربته الفكريّة الوجوديّة، قد أعرب عن شيء منها في ذلك اللقاء، ولا إخاله إلا متحدِّثاً في نهاية ذلك الحفل السماعيّ؛ مُعرباً عن مشاعره تجاه سماعه لحكايات أرواح موزَّعة بين اليأس والأمل؛  تترقّب لحظة مواجهة القدر المحتوم. وكيف لا يحدث التجاذب بين عقليْن كبيريْن يجمعهما حب الكلمة؛ حينما تكون ذوباً للمشاعر الإنسانية، وصدىً لآلامها وآمالها!؟
وما أن عرف خالد سهولي السِّي محمّد حتى غمرَه فيضُ مشاعره النبيلة، ورهافةُ ذوقه الرفيع، ومعارفُه الجمّة وما فيها من تنوُّع. وما تتميز به ثقافة السِّي محمّد من ثراء وخصوبة، وعمق رؤية لحقيقة ما يضطرم فيه الكائن في مساره في وجوده البشري...
من أجل ما لامسه خالد سهولي في شخص السِّي محمّد؛ بادر إلى عرض ترجمة الكتاب عليه؛ لما توسمه فيه من استعداد فكريّ وثقافيّ لهذه المهمة من جهة، ولمراكشيته ثانيا، لَمَّا بلغه عنه « أنه يحبُّ مدينته ويعشق نمطها في العيش، ونمط أهلها في السُّلوك والنَّظرة إلى الحياة، وأنه تشرَّب عمقها؛ متربِّعاً  في وَسَطٍ بسيط ومطبوع بخصوصيات المدينة» [ص6].
وبدأت لحظة ترقب ظهور ترجمة الكتاب؛ ترقّبٍ لا يخلو من لهفة الانتظار؛ وكأني بالطبيب خالد سهولي أصبح لا يهدأ له بال حتى يرى كتابه مترجماً إلى لغة أجداده من بني يعرب، وأن يري ترجمته موشحة بأناقة عبارات السِّي محمد، ومعطَّرة بأنفاسه، ومضمّخة بعبير أدائه الفني.
 يبدو أن خالد في ترقبه لظهور ترجمة كتابه إلى العربية؛ أصبح ينتظر اللحظة التي يرنُّ فيها هاتفُه لإخباره أن الترجمة قد عرفت نقطة الختم!
يقول السِّي محمَّد: « كان خالد سهولي يطاردني بعفوية الرجل الألمانيّ العمليّ المعاند؛ تحركه رغبة مشتعلة باستمرار في أن يرى كتابه مقروءاً بلغة أمِّه وأبيه ومواطنيه على الضفة الأخرى في أرض الأجداد! ».
ومع انشغالات السِّي محمَّد بأنشطته العلميَّة؛ التي غمرتها تضحياته الدائمة من أجل طلبته، والعمل على الرُّقيّ بمشاريعهم العلميّة؛ فقد عمل خلال سنة على إنجاز هذه الترجمة التي أصبحت ماثلة اليوم بين يدي القارئ.
لقد اكتشف السِّي محمَّد في كتاب خالد شخصية الأديب الفنَّان المبدع الثاوي في « شخص طبيب ورئيس قسم جراحة مريضات السرطان المبيضي في أشهر مستشفيات أوربا ببرلين».
وتساءل السِّي محمّد كيف كان خالد سهولي يقتنص تلك اللحظات من أوقات فراغه؛ فيمنحها لذلك الفنَّان المبدع الثاوي في أعماقه! ووجد أنه استطاع ذلك باقتدار « عندما جعل من مهنته كحامل مشرط رديفاً موازياً  لهويته كحامل يراعٍ ينقل من خلاله  أفكاره ومواقفه وآلامه الباقية في الحياة » [ص7].
والآن وقد افتقدنا السِّي محمَّد، وهو في لحظة تكريس ما بقي من حياته لإخراجه بحوثه وترجماته لبعض جهود الباحثين والمحققين الألمان؛ تظهر ترجمته لهذا الكتاب، ومع قراءتها هجمتْ عليَّ ذكريات مع السِّي محمَّد، وتداعت إلى سمعي  عباراته وكأنها صدى لمداخلاته ومناقشاته وتعليقاته، فما خلت منها نفسي؛ وإن غيَّبته الأقدار عنها.
 وأنا أقرأ هذه الترجمة أجد في تقديمه لها، وفي تضاعيف ترجمته لها ذلك الصوت الغائب الحاضر في ذكرياتي مع السِّي محمَّد؛ لغتُه وأداؤه البياني يستعصيان علىَّ نسيانُهما، فقد عرفته منذ ما يقرب من نصف قرن.
عندما تقرأ هذه الترجمة تتراءى لك أشياء في لغة صاحبها، يتراءى لك حرصه على نقل مشاعر خالد سهولي؛ وكأني به يعتصر فقه اللغة الألمانية لتمدَّه بما يستجيب لطاقات اللسان العربي، في تأديته لخفايا أحاسيس نساء داهمهن سرطان أوقفهن على حافات الموت، ولم يبق لبعضهن غير أمل في رحلة إلى مدينة مراكش؛ يتمُّ فيها إلقاء نظرات تمسح فضاءاتها قبل وداع هذه الدنيا.
 وأنا أقرأ هذه الترجمة تراءى لي شخص السِّي محمّد وهو يترجم بطريقة آنية ما أريد قوله بطريقتي الخاصة في ذلك اللقاء العلميّ بألمانيا، فكان يدعوني أن أعبر عن آرائي كما أشاء، وكيف أشاء.
جهلي بالألمانية يحول أن تكون لدي رؤية دقيقة لهذه الترجمة من الناحية العلمية، كما أني لا أستطيع أقدِّم في شأنها حكماً على قيمتها، ومدى دقتها لما أراده  صاحبها.  
ولكن وأنت تقرأ هذه الترجمة؛ تجدها حاملة في تنوّع أدائها البياني - وإن تعدّدت فضاءات أقاصيصها وحكاياتها، وما لصاحبها من قدرة على التدقيق أحياناً في صف تلك الفضاءات، وما يتخلل ذلك من هواجس ويُرافقها من قراءات وتأمُّلات فلسفيّة - أسلوبَ واحدٍ متمكِّن من معرفته باللغتيْن؛ بحيث تنساب معاني تلك الأقاصيص والحكايات بصورة عفوية، بكل ما تحمله من خلفيات فنيّة ويتخلَّلها من إفادات معرفيّة؛ وكأنَّ واضعها هو السِّي محمّد.
فخالد سهولي الطبيب يودِعُ أقاصيصَه وحكاياتِه ذكرياتِه وأصداءً من مطالعاته وأسفاره، في سياق ما تعرَّض له من موافق، وعايشه مع مريضاته من حالات، وما كان ينتابهن من هواجس وأحلام وآمال، وما يستدعيه كل ذلك من ذكريات ومشاهد ومواقف في لحظات متاخمة للموت.
وما يتراءى لي، وأنا أقرأ هذه الترجمة، إلا صورة السِّي محمَّد وهو يسافر عبر أحداث تلك الأقاصيص والحكايات، ويواكب ما يتخللها من مواقف تتراقص فيها أطياف الموت: تطفح بمشاعر الآلام والحسرة والندم، وتتعلق فيها النفوس بخيوط واهية من آمال.
 وترى في هذه الترجمة لغة المشاعر وخطرات النَّفس أمام أطياف الموت تتصارع معانيها باللغة الألمانية أولا وبالعربية ثانية، والكونية ثالثة.
 وأُحسُّ أن السِّي محمَّد كان يسعى بكل قواه؛ أن يجعل ترجمته حاملة لعمق تلك المشاعر، وما تزخر به من آلام وآمال في لحظات حرجة من حالات سيدات يترقبن بحسرة ويأس قرب مفارقتهن للحياة.
موضوع الكتاب هو موضوع الموت؛ إذ أقاصيصه وحكاياته حول نساء يعانين من سرطان الرحم، يعشن اللحظات الأخيرة من أعمارهن؛ أقاصيص وحكايات يشارك فيها خالد بحكم مهنته لحظات ومواقف، ويعيش أحيانا فيها لحظات وداع الحياة.
 لله ما أصدق النفس في لحظات المواجهة هذه، حين تنكشف الحقيقة، وتكون المواجهة مع الآتي قبل الأوان، وتصبح أحلام الوجود ورقة في مهب رياح عاصفة!
إن تعلُّق خالد سهولي بالحَكْي، والتلذذ بسماع الأقاصيص والحكايات، وقراءته لها على أسماع الآخرين، ومهارته في كتابتها وتسجيل وقائعها؛ تجعله في كتابه هذا يحكي إلينا قصة أسرته؛ بانتقال والده عبد الله وأمِّه زهرة من طنجة إلى ألمانيا سنة 1960، وما كان لهما من معاناة من تنشئة أبنائهما في الغربية؛ فالوالد يصبح ملاكماً في الأسواق السنويّة، والوالدة تعمل في إحدى المصحات. ومما أثَّر على استقرار الأسرة اختيار الأب أن يعود إلى مسقط رأسه بطنجة، وما سبّب ذلك من ألم للوالدة إذ لم تستطع أن تغفر له ذلك الاختيار.
 ويبدو أن هذا الوضع الأسري جعل خالداً دائم الأشواق إلى الرحلات والأسفار، دون أن يفارقه الحنين إلى مدينة مراكش لما تزخر من أقاصيص وحكايات، كثيراً ما تأتي على ألسنة نساء يجدن بعض الراحة في رؤية هذه المدينة قبل مواجهة الموت.
ولا عجب أن نجد في كتاب خالد هذا أصداء لزياراته لبعض مدن العالم، ولمدينة مراكش بشكل خاص، فتجد في الكتاب أدب الرحلة، ووصف ما تزخر به مراكش من مظاهر اجتماعيّة ومآثر عمرانيّة وما يتخلل أجواءها من أحوال طبيعيّة، ويأتي كل ذلك مواكباً لإفادات تاريخيّة ومعلومات عمرانيّة وتأملات فلسفيّة، إلى جانب أصداء قراءاته المتنوعة، وما تزخر به محاضراته من إفادات وتوجيهات، وما تحقِّق له من سعادة ذاتية في مجال تخصُّصه.
ويستوقفنا هنا عنوان إحدى محاضراته: (تأملات طبيب نساء)؛ ليخبرنا عن طبيعة تلك المحاضرة وما تحتويه من حكايات كانت وليدة خبرته في الحياة، وما أمدَّتْه به تجربته في مجال تخصصه؛ التي أغناها بعلاقاته وتنوُّع أسفاره، وتعدُّد قراءاته.
وطبيعة خالد سهولي بهذه الصورة جعلت من أقاصيصه وحكاياته منفتحة على فضاءات متنوِّعة ومتعدِّدة، وداعية في الآن نفسه إلى التأمُّل في أسرار النفس الإنسانية في هذه الحياة.
 إن طبيعة ما كتبه خالد؛ مما يصعب تجنيسه في خانة أدبيّة معيّنة، وما رصده من أحداث، وعبّر عنه من تأمُّلات، وأشار إليه من قراءات، وشاهده من أحوال نساء على حافة الموت... كلها تجعل مهمَّة ترجمتها من عويصات الأمور لتعدُّد تلك المجالات وتنوُّعها، واتِّساع معاجمها الخاصّة وما تقتضيه حقولها الدلالية. ولعل هذا مما يكشف لنا عما يختزنه فكر السِّي محمَّد من طاقات في التعبير عن كثير من جوانب الحياة، وما تتميز به ثقافته من خصوبة في معجمه اللغوي في اللغتين، وفي دقته في أداء أساليبهما أثناء الترجمة.
وأقول في الأخير: إن أقاصيص وحكايات خالد هي رحلة عمر الإنسان إلى تخوم الموت؛ لاستكشاف خبايا النفس حين تنهار أحلامها، وتواجه ما لابدَّ من لقائه من بدٍّ، وتواجه المصير المحتوم.
والبؤرة العميقة فيما كتبه خالد من أقاصيص وحكايات تكمن في أثر أمه في وجدانه.
وأُحِسُّ أن الأقدار ساقت هذا العمل إلى السِّي محمَّد ليتولى ترجمته عن الألمانية، وأن يقع اختيار صاحبه عليه، فتستجيب نفس السِّي محمَّد بتلقائية لإنجاز هذه الترجمة؛ وكأن لهذا النفس موعداً أيضاً مع الموت.
 رحم الله نفساً طاهرة افتقدتُها، ويشهد الله أني في كثير من المواقف أذكرها، وكأني أستمع إلى رأي السِّي محمّد فيما أكون بصدده، في كثير من الحالات.
ملاحظة:
 كلمة ألقيت بكلية اللغة العربية بمناسبة صدور ترجمة هذا الكتاب من اللغة الألمانية إلى العربية.




[1]  كان من الأولى أن يُنادى بمولاي محمّد لعراقته في الشرف؛ غير أن معارفة وأصدقاءه من جيلي  يدعونه السي محمّد.

الجمعة، 22 يوليو 2016

كلمة عن د. علال الغازي، رحمه الله تعالى




رحم الله روحاً كانت تتَّقد حيويَّةً، وتتوهّج حضوراً وعطاءً. تتطلع إلى لحظة تنوير في الجامعة المغربيّة، وتبحث لها عن ورؤية مغايرة، وكينونة خاصّة، في سبعينيات القرن الماضي.
 روح تفانت في البحث عن التميُّز؛ تفانيها في إثارة قضايا جديدة في مجاليْ النقد والبلاغة في الجامعة المغربية، وتفانيها في الإشراف على رسائل العلميّة، وبثِّ روح الاجتهاد وحضور التّميُّز وإثبات الذات العلميّة.
افتقدناه في لحظة كانت التجربة الجامعيّة تتطلَّع إلى أمثاله من الجيل الثالث. وكان ممن أعطوا للبحث العلميّ في هذه الربوع نكهة ذاتية خاصة، وفتحوا له آفاقا للنظر والتأمّل في قضايا النقد والبلاغة في غرب العالم الإسلاميّ عامّة، وفي المغرب الأقصى خاصّة.
لقد عرفت د. علال الغازي منذ وجّهنا د. أمجد الطرابلسي، رحمه الله تعالى (1916 – 2001م)، إلى تدريس مادة نصوص النقد الأدبيّ خلال السنة الدّراسيَّة 1977 – 1978.
وما أن مضت أيام قليلة حتى كانت مناقشة رسالته لنيل دبلوم الدراسات العليا، بتاريخ 15 دجنبر 1977م، بكلية الآداب، جامعة محمد بنعبد الله بفاس، تحت إشراف د. أمجد الطرابلسيّ، وعضوية السادة الأساتذة: د. عباس الجرّاري، د. محمّد بنشريفة، ذ. عبد الوهّاب سعود، د. فوقية حسين محمود.
وكان موضوع بحثه تحقيق كتاب: (المنزع البديع في تجنيس أساليب البديع) لأبي محمد القاسم السلجمّاسي.

السبت، 23 يناير 2016

الأحــــــلام القــتـــيــلــة



(قصيدة لأحمد زيادي إثر وفاة صديق العمر المحامي الكبير محمد الصبري)
 
 أيها الفقيد الغالي
                                      حينما كان غيرك يطلب العلم في الظل،
                                      ويتطلع إلى الحياة الرغدة من وراء النافذة،
وكان آخـرون
 من خارج الخنادق
 يتهافتون على الغنائم.
 وآخرون يتسللون إلى المناصب.
كنت أنت في الهجير،
 تقبض على الجمر الحارق

في تأبين محمد الصبري

بســم الله الرحمــن الرحـيم
والصلاة والسلام على رسوله الكريم

 
                                     بقلم صديق عمره أحمد زيادي

قال الله تعالى في محكم التنزيل:
﴿"تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين﴾ ( القصص: 83)
أيتها السيدات، أيها السادة

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015

مع كتاب (معجم المعاجم) لأحمد الشرقاوي إقبال (1927 – 2000م)


عباس أرحيلة
تمهيد:  
ممّا قيل في تكريم أحمد الشرقاوي إقبال، رحمه الله، سنة 1987:
قال مولاي إبراهيم الحاري رحمه الله تعالى:
إقبالٌ موسوعـةٌ تمشي على القدمِ           ودَيْـمةُ النُّبل تَسْقِي تُربَةَ القيَمِ
إقبالٌ نابغةُ الحمــراءِ ومُلهـمُها             وفذُّها الشـهمُ يُحيي دولةَ الشيَمِ
إقبالٌ في اللغة الفصحى منارُ هدىً       ما غـاب عن أُفْقه سرٌّ من الكَلِمِ

الاثنين، 9 نوفمبر 2015

كتاب لم يرَ النور: (درجات العقل ودراكاته في المعجم العربيّ) لأحمد الشرقاوي إقبال



عباس أرحيلة

تمهيد
هذا كتاب لم يَر النور شأن آثار أخرى، لا يُعرف مصيرها، للمرحوم أحمد الشرقاوي إقبال (1927 – 2000م). وهو كتاب اختار له عنوان: (درجات العقل ودركاته في المعجم العربي). ما طبيعة هذه الكتاب؟ وكيف كان تصوُّره لمنهجه فيه؟  وما كان لفكرة الكتاب من أثر عليّ؟

السبت، 31 أكتوبر 2015

أحمد الشرقاويّ إقبال ظاهرة لغويّة بمراكش




عباس أرحيلة

أولا: إقبال وراتباطه بعبقرية العربيّة ومعجمها

1 - كلمة عن أحمد الشرقاوي إقبال

 أحمد الشرقاوي إٌقبال، رحمه الله تعالى ( 1927 – 2000م)،  واحد من الرعيل الأول الذي نهل من التعليم الأصيل وانفتح على التعليم العصري في مطلع استقلال المغرب، وتحمل مسؤولية التربية والتوجيه في النهضة المغربية الحديثة في مراكش، أحد المراكز الثقافية على امتداد تاريخ المغرب. وعايش الشرقاوي الانشغالات الثقافية والفكرية لتلك النهضة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. فقد آثار  من خلال دروسه في مدرسة المعلمين - وكانت تستقطب آنذاك طلبة جنوب المغرب عامة - ومن خلال محاضراته ومجالسه الخاصة والعامة، ومن خلال أعماله في التراث دراسةً وتحقيقاً، وفي الأدب جمعاً وتوثيقا ودراسة؛ ما كان يشغل  باحثاً من مدينة مراكش، عاصر التحولات الثقافية للمغرب الحديث.

الاثنين، 19 أكتوبر 2015

بين الإمام الغزاليّ وطه عبد الرحمن





عباس أرحيلة

تمهيد:
عاشا في أمة مصابة بهزيمة عقليّة ونفسيّة، واجها الفلسفات الوافدة والنِّحل الهدّامة، وناهضا خصوم الإسلام من المتفلسفة والباطنيِّين، وعرضا في مشروعهما العلميّ لمشاكل شائكة، وتناولا قضايا عويصة، وكانت لهما الجرأة المطلوبة في اقتحام المضايق الفكريّة. واجْتهدا ما وَسِعهما الاجتهاد، وشُهِد لهما بالعمق الفكري؛ فنالا مكانة مرموقة في عالم الفكر.
أدارا فلسفتهما حول الدين الإسلاميّ في عمقه الروحيّ والأخلاقيّ، وأقاما مشروعهما على صحّة الدِّين وفساد الفلسفة حين يَحيد أهلُها عن الجادة بسبب عجزهم أن يأتوا بما يُضاهَى به غيرُهم.
رفضا إخضاع قوانين القرآن لقوانين الزمان ليكون ملائماً لما عليه الزمان من انحراف.
لم يتخذا العلم سبيلا إلى جاه الدنيا، وآثرا بساطة العيش.

الثلاثاء، 6 أكتوبر 2015

مع أطروحة د. عبد السلام الخرشي




عباس أرحيلة
 أولا: كلمة عن د. عبد السلام الخرشي

 هو علم من أعلام مدينة مراكش، أول من عرفت له متابعات دقيقة لكل ما جدّ في مجالات الثقافة الإسلامية، وأول من وجدت لدية أجوبة عما يعتبره أهل الفكر من المعضلات، وله في كل ذلك تحليلاته واستدلالاته ومواقفه من منطلق النصوص الصحيحة البانية للعقيدة الإسلامية.وأعجب ما تسمعه من  أحاديثه استحضارُه للنصوص الدالة على كل قضية تُعْرَضُ للنظر.
وأعتبره من القلائل في بلادنا ممن حملوا هموم الأمة الإسلامية لمدة تتجاوز ثلث قرن. وإذا كانت وسائل الإعلام لا تعرف له طريقا؛ فإنه من أعلام المحافل العلمية  بفضل دروسه ومحاضراته التي قل من يُضاهيه فيها في مدينة ومراكش وفي غيرها؛ يتصدَّرُها بشموخه العلمي، وبمنهجيه في استقراء النصوص وسهولة استحضارها، وكيفية تحليلها وعرضها، وما يُضفيه عليها من حيوية قلَّ أن تجدها في غيره، إلى جانب ما تختزنه ذاكرته من عيون الأدب العربي شعره ونثره، وما حباه الله تعالى من تنويع في أساليب الأداء البياني؛ مما تُستمال به النفوس، وتشد به الأذهان.
 د. الخرشي شخصية نادرة في تكوينها النفسي والاجتماعي والعلمي، وتنصهر هذه المكونات كلها في دروسه ومحاضراته وفيما يكتبه؛ فتجد نفسك أمام علم من مفاخر الأمة في لحظة عزها، وأمام عالم يسمع لنبضات العصر ببصيرة نافذة، وإلى مثقف له اطلاع دقيق على كل ما يجري حوله، وتجد فيه الخبير بمشاكل التعليم في المغرب الحديث، وتجد فيه المتحدث الذي يثير انتباهك بملاحظاته وتعليقاته، وبالكيفية التي تجده يعتزُّ بها بتراث المسلمين في جميع حقول المعرفة.
 وأطروحته لنيل الدكتوراه – فقه الفقراء والمساكين في الكتاب والسنة، والتي أقول فيها هذه الكلمة – رَصَدَ فيها المنهجية الإسلامية لمعالجة معضلة الفقر؛ مستقاة بمهارة غير معهودة، وباستيعاب غير مسبوق، من الكتاب والسنة.
 الأستاذ الخرشي رحمه الله مع طلبته


 ثانيا: معضلة الفقر في التجربة البشرية

من السنن الكونية في الوجود البشري التفاوت الظاهر في تقسيم متاع الدنيا على سكان الأرض، وهي أرزاق وزعها ربُّ العزة على مخلوقاته في الأرض بمقادير مقدرة تتحقق من خلالها التجربة البشرية على الأرض؛ فتتوالى الابتلاءات لتلك التجربة بين من استأمنهم على مال الله فكانوا أغنياء، وجعل حاجة آخرين إلى ما في أيديهم باعتبارهم فقراء. وأقام سبحانه نظام التعايش بين الفئتيْن، ورسم كيفية الانسجام بينهما لتستقيم حركة الحياة في مسيرة التجربة البشرية على الأرض. ولا استقامة لحركة الحياة بغير معالجة ظاهرة التفاوت بين الأغنياء والفقراء، ولا سعادة في دنيا الناس بغير الاحتكام إلى منهج الله في كيفية معالجة تلك الظاهرة؛ أي ظاهرة الفقر في المجتمعات.


ثالثا: عجز البشر عن معالجة معضلة الفقر

حقيقة الفقر عند د. عبد السلام الخرشي أنه " من العويصات المثيرة للكثير من الحروب والأزمات، والإحن والسخائم وأنه الآفة الخطيرة التي ظلت تفتك بالحشود من البشر... حتى لتشكل اليوم القنبلة الموقوتة التي لا تُبقي ولا تدر، وأنه المعرة الجامعة لكل عار".
فالفقر عند د. عبد السلام عويصة؛ لم يهتد الناس لحلها، ومعضلة ضاقت عليهم سبل معالجتها. ولاحظ أن أمر هذه المعضلة ظل غامضاً لم توُفق البشرية في التغلب عليه. في البحث عن معالجة هذه المعضلة " تعطلت وسائل البشر، ادلهمّت الرؤية؛ فطغى التخبط والتكفؤ والتخرّص. وما زال الأمر يستفحل حتى تصير الحلول إشكالات، وشرانق تخنق المُنظِّر والمُنَظَّرَ له" [ص5]
فهو يرى ما تعانيه البشرية من سير على غير هدى في محاربة معضلة الفقر، ويرى أن البشرية تفتعل الحلول الكاذبة، فتعيش في تقلبات لا تنتهي، فلا التنظير لما تعاني منه أفادها وأخرجها مما تتخبط فيه، ولا هي أدركت انحرافها عن المنهج الأمثل.
وأعاد د. عبد السلام إلى الأذهان القاعدة العلمية التي يعيش الناس في غفلة عنها؛ وهي الاحتكام في حركة الحياة إلى منهج الله عز وجل؛ فكل صنعة يُرجَعُ فيها إلى الصانع، ولا وجود لحل خارج المنهج الذي ارتضاه الله لخلقه.
إن القاعدة المنهجية هي أن نستعيض عن الحلول البشرية، وأن نردّ كل ما نتنازع فيه ونختلف، إلى منهج الله عز وجل. قال تعالى:" فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول". فالأطروحة ترفض الحلول المعتمدة في معالجة معضلة الفقر، وترى أن الأنجع والأصلح في ذلك، والأقل كلفة وجهدا ووقتا؛ الاحتكام إلى ما ورد في القرآن والسنة. وهكذا تقدم الأطروحة المنهج البديل الذي يجهله أصحاب النظريات الاقتصادية في العالم المعاصر، وتعمل في ضوئها المنظمات والمراكز.

رابعا: مقاصد المنهج وآثاره في حياة الناس

يرى د. الخرشي أن تطبيق هذا المنهج – الذي رصده من خلال الكتاب والسنة - يضع حدّا للاختلالات البارزة في بنيات المجتمعات المعاصرة، كما أنه يضع حدا لمظاهر التفاوت بين الطبقات الاجتماعية. ويرى أن الحياة لا يمكن لها أن تستقيم على كوكبنا الأرضي، ولا يمكن لها أن تحظى بالأمن الاستقرار، وتوفر للإنسان كرامته؛ إلا إذا جعلنا متاع الدنيا شِرْكَةً بين الأغنياء والفقراء، وصار المال دولة بين الأغنياء والفقراء.  والمقصد الأساس في المنهج الرباني أن يكون هناك في كل مال حلال حق معلوم للسائل والمحروم.
وقد قدم د. عبد السلام منهجية في كيفية الاستمداد من المصدريْن المؤسسيْن للهوية الإسلامية. وإذا نظرنا بإمعان في مفاصل هذه الأطروحة؛ أتضح لنا أننا أمام نظرية متكاملة عن موضوع الفقر، غير مسبوقة ولا مطرقة، كما قال.
والحق أن هذه الأطروحة تعدّ أول بحث علميّ استوعب بدقة متناهية ما ورد في القرآن وما صح من السنة عن الفقر.
ولهذا البحث خطره في التنوير والتغيير، ولو قدر لروحه أن تسري في نفوس الفقراء والأغنياء على السواء؛ لاستقامت حياة الناس.

خامسا:  أطروحة هي مشروع حياة

منطلق هذه الأطروحة كان وليد صدام مع بعض عناصر المد الشيوعي بمدينة مراكش نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، وهي عناصر كانت تنكر أن يكون للإسلام موقف من حل مشكلة الفقر وتنظيم شؤون الفقراء." وكنا نواجه إنكارهم هذا، بل سخريتهم أحيانا... وينتابنا شعور صادق؛ بأننا مقصرون، وهم مستلبون جاحدون ضالون جاهلون...وكنا نعتقد جازمين، أنهم ضحيا تيارات فكرية تخطط للهيمنة على عقول وخيرات ومقدرات العالم الإسلامي خاصة؛ وهم فريقان: من يلوح بمجتمع بدون طبقات، ومن يبشر بمجتمع حر تنطلق فيه قوى الإنسان لتعمل وتنتج، ونعود بالله؛ فإن عددا منهم ما زال في حالة خمار"] ص7 - 8].
والفريق الثاني، بالرغم من ارتباطه بالقرآن والحديث؛ لا يمتلك نظرة دقيقة شمولية " لهذا الدين القيم الذي اعتنى حتى بمشي وصوته ودخوله الخلاء... فكيف بالقضايا الكبرى مثل قضية الفقراء والمساكين، ونظام الحكم، ووضعية العمال، والنظام التربوي التعليمي، وملكية الأراضي، وتنظيم الجيوش، والإعلام... فما كنا نجد إلا في النادر جدا، من لهم تلك النظرة" [ص8].
مع إحساس عبد السلام بالتقصير، أمام ما يراه من استلاب لعقول أجيال، وقصور نظر؛ جدّت في العالم الإسلامي تحولات كبرى:
1 -  اتساع مدى الثروات النفطية وغيرها في العالم الإسلامي واتساع مدى الاستفادة منها.
2 - ازدهار نشر التراث الإسلامي؛" مما لم يكن الناس يحلمون به".
3 – " وصدور دراسات جادة من منظور إسلامي تكاد نستقطب جوانب الحياة، ولها التصاق قوي بالواقع ومتطلباته وتحدياته".
4 – " وظهور عدد من المؤسسات والجماعات الإسلامية المنافسة والواعية، وانكشاف زيف تلك التيارات والأيديولوجيات لكل ذي بصيرة منصف باحث عن الحق والخير"[ ص8].
أمام انتشار الكتاب الإسلامي بكل اتجاهاته، وظهور الدراسات الملتصقة بالواقع ومتطلباته وتحدياته؛" كانت لنا قراءة للكتاب والسنة، وأصبح لزاما على العاملين في حقل المعرفة الصحيحة النافعة، والحاملين هموم الأمة، وفي ذمتهم، أن يقدخوا زناد عقولهم... ليبلوروا للأمة وللإنسانية قضاياها الظرفية والمصيرية في مشاريع منهجية ومنظمة وقابلة للتطبيق؛ من صميم كتاب ربها وسنة نبيها واجتهادات علمائها الأفذاذ ذوي... الرؤية المستقبلية... فلم يبق – الآن – عذر لمن له قدرة على أن ينفع الأمة والبشرية بشيء فتقاعس.
بهذا الإدراك وتحت هذا الشعور وجدتني معانقا ومحتضنا موضوع: القراء والمساكين... مما انتهى به – بتوفيق الله وتسديده – لا إلى حل ودواء ناجع لمشكلة فقراء العالم الإسلامي خصوصا والعالم عموما فقط، ولكن إلى نظرية كاملة عن الفقر والفقراء؛ مستخلصة من الأصول الإسلامية، وغير مسبوقة ولا مطروقة" [ ص8 – 9].

سادسا: ما قاله عبد السلام عن حوافز اختيار الأطروحة
(وعلى ما لهذا الموضوع من أهمية بارزة، فإن الرغبة العارمة في الكتابة عنه والاشتغال به تاريخا وحكاية، ظهر معهما بذرة، وانتهى- بفضل الله - دوحة وارفة: فقد كنا نجلس – من سنين وبدأب- إلى صنفين ممن يتعاطون المعرفة.
أحدهما يركز في مسائله ومناقشاته على الجانب الاجتماعي، وبالأخص على الوضعية المتردية التي تعيش عليها معظم الشعوب الإسلامية المشكلة في غالبيتها من الفقراء والمساكين. ويشتط، فينكر – في اصرار – أن يكون لله ورسوله عناية بهذا النوع من البشر، وبالأحرى أن تخصص لهم مواد ضافية من القرآن والسنة تنظر لهم وتنظم شئونهم، وتحل مشاكلهم وتعمل لإنقاذهم وإدماجهم.
وكنا نواجه إنكارهم هذا، بل سخريتهم أحيانا... وينتابنا شعور صادق؛ بأننا مقصرون، وهم مستلبون جاحدون ضالون جاهلون...وكنا نعتقد جازمين، أنهم ضحيا تيارات فكرية تخطط للهيمنة على عقول وخيرات ومقدرات العالم الإسلامي خاصة؛ وهم فريقان: من يلوح بمجتمع بدون طبقات، ومن يبشر بمجتمع حر تنطلق فيه قوى الإنسان لتعمل وتنتج، ونعود بالله؛ فإن عددا منهم ما زال في حالة خمار [ ص7 - 8].
والفريق الثاني، بالرغم من ارتباطه بالقرآن والحديث؛ لا يمتلك نظرة دقيقة شمولية " لهذا الدين القيم الذي اعتنى حتى بمشي وصوته ودخوله الخلاء... فكيف بالقضايا الكبرى مثل قضية الفقراء والمساكين، ونظام الحكم، ووضعية العمال، والنظام التربوي التعليمي، وملكية الأراضي، وتنظيم الجيوش، والإعلام... فما كنا نجد إلا في النادر جدا، من لهم تلك النظرة" [ص8].

2 - ازدهار نشر التراث الإسلامي؛" مما لم يكن الناس يحلمون به".
3 – " وصدور دراسات جادة من منظور إسلامي تكاد نستقطب جوانب الحياة، ولها التصاق قوي بالواقع ومتطلباته وتحدياته".
4 – " وظهور عدد من المؤسسات والجماعات الإسلامية المنافسة والواعية، وانكشاف زيف تلك التيارات والأيديولوجيات لكل ذي بصيرة منصف باحث عن الحق والخير"[ ص8].
" كانت لنا قراءة للكتاب والسنة، وأصبح لزاما على العاملين في حقل المعرفة الصحيحة النافعة، والحاملين هموم الأمة، وفي ذمتهم، أن يقدحوا زناد عقولهم... ليبلوروا للأمة وللإنسانية قضاياها الظرفية والمصيرية في مشاريع منهجية ومنظمة وقابلة للتطبيق؛ من صميم كتاب ربها وسنة نبيها واجتهادات علمائها الأفذاذ ذوي... الرؤية المستقبلية... فلم يبق – الآن – عذر لمن له قدرة على أن ينفع الأمة والبشرية بشيء فتقاعس.
... مما انتهى به – بتوفيق الله وتسديده – لا إلى حل ودواء ناجع لمشكلة فقراء العالم الإسلامي خصوصا والعالم عموما فقط، ولكن إلى نظرية كاملة عن الفقر والفقراء؛ مستخلصة من الأصول الإسلامية، وغير مسبوقة ولا مطروقة" [ ص8 – 9].

بهذا الإدراك وتحت هذا الشعور وجدتني معانقا ومحتضنا موضوع: الفقراء والمساكين، وصاحب حدب عليه ورعاية له وحرص على ما يمت إليه بصلة حسبما وقفت عليه سابقا أو طالته يدي لاحقا، مما انتهى بي- بتوفيق الله وتسديده- لا إلى حل ودواء ناجع لمشكل فقراء العالم الإسلامي خصوصا والعالم عموما فقط، ولكن إلى نظرية كاملة عن الفقر والفقراء، مستخلصة من الأصول الإسلامية، وغير مسبوقة ولا مطروقة).

الأستاذ الخرشي رحمه الله خلال حفل تكريمه بمؤسسة البشير للتعليم الخصوصي بمراكش